سيرة الإمام علي بن محمد الهادي (ع) منزلة الامام في المدينة الإمام (ع) والسلطة
الامام الهادي (ع) في مجلس المتوكل

زوجاته وأولاده (ع)

شهادته (ع)

الإمام الهادي (ع) والصوفيّة فضائل الامام الهادي عليه السلام  


سيرة الإمام علي بن محمد الهادي (ع)

 الإسم: علي (ع)

اللقب: الهادي

الكنية: أبو الحسن

اسم الأب: محمد بن علي الجواد (ع)

اسم الأم: سمانة

الولادة: 2 رجب 212ه

الشهادة: 3 رجب 254ه

مدة الأمامة: 33 سنة

القاتل: المعتز

مكان الدفن: سامراء

  

منزلة الإمام في المدينة:

تسلّم الإمام الهادي (ع) شؤون الإمامة فعلياً في عام 220ه وله من العمر حوالى ست سنوات. وقد مارس دوره التوجيهي كواحد من أئمة الهدى ومصابيح الدجى وفي طليعة أهل العلم للتوجيه السياسي ومصدراً لقلق السلطة العباسية وقتذاك، فكان (ع): "خير أهل الأرض وأفضل من برأه الله تعالى في عصره" كما يقول أحد العلماء المعاصرين له. ولذلك تسالم علماء عصره وفقهاءه على الرجوع إلى رأيه في المسائل المعقّدة والغامضة من أحكام الشريعة الإسلامية. مما جعل من مدرسته الفكرية في مسجد الرسول (ص) في المدينة محجّة للعلماء وقبلة يتوجه إليها طلاب العلم والمعرفة انذاك وقد نقلت عن لسانه الشريف الكثير من الاراء الفقهية والعقائدية والكلامية والفلسفية من خلال أسئلة أصحابه والمناظرات التي كان يجيب فيها على تساؤلات المشكّكين والملحدين بالحجة والمنطق... وبذلك احتل مكانة محترمة في قلوب الناس مما أزعج السلطة العباسية أن يكون للإمام هذا الدور وهذه الموقعية والتأثير فأحاطوه بالرقابة وعناصر التجسس لمعرفة أخباره ومتابعة تحركاته.

 

الإمام (ع) والسلطة:

والجدير بالذكر أن الدولة العباسية شهدت انذاك نوعاً من الضعف والوهن السياسي والإداري وتسلّط الأتراك وتحكّم الوزراء وضعف شخصية الخلفاء طيلة عهود المعتصم والواثق العباسيين مما سمح بهذا المناخ الفكري الخصب والتحرك الواسع للإمام الهادي (ع)، ولكن الأمور تغيّرت في عهد المتوكل العباسي الذي كان يحقد حقداً شديداً على ال البيت (ع) فكان يحاول الحط من سمعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) والاستهانة به. كما قام بفعلته الشنيعة بحق الحائر الحسيني المقدّس فأمر بهدمه والتنكيل بزواره.

 وقد عانى منه العلويون شتى ألوان الأذى والاضطهاد، وأخيراً كان الإمام الهادي يحمل الرمز الهاشمي العلوي ويمثل محوراً دينياً لا يستهان به في البلاد الإسلامية انذاك. لذلك استعمل المتوكل على المدينة أحد أشد أعوانه وأخبثهم عبد الله بن محمد فكان يتحيّن الفرص للإساءة الى الإمام ويعمل على أذيته ويرسل التقارير والوشايات للإيقاع به، فكانت تصل إلى المتوكل أخبار الإمام مشحونة بالتفاف الجماهير حوله وورود الأموال الطائلة إليه من مختلف اقطار العالم الاسلامي مما يشكّل خطراً على الدولة، وإتماماً لهذه المؤامرة المدبّرة يرسل المتوكل إلى المدينة أحد أعوانه "يحيى بن هرثمة" بهدف إحضار الإمام الهادي (ع) إلى سامراء والتحرّي عن صحّة نيّة الإمام مناهضة السلطة. واستهدف المتوكل من هذا الإجراء:

     أولاً: فصل الإمام عن قاعدته الشعبية الواسعة والموالية. الأمر الذي كان يقلق السلطة لذلك عندما يصل يحيى بن هرثمة إلى المدينة يقول: "فلما دخلتها ضجّ أهلها وعجّوا عجيجاً ما سمعت مثله فجعلت أسكنهم وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه".

     ثانياً: إدانة الإمام مباشرة. ولذلك قام يحيى بن هرثمة بتفتيش دار الإمام (ع) تفتيشاً دقيقاً فلم يجد شيئاً سوى المصاحف وكتب الأدعية.

     ثالثاً: وضع الإمام تحت المراقبة المباشرة. ولذلك أكره على مغادرة المدينة والحضور إلى سامراء بصحبة أفراد عائلته حيث خضع للإقامة الجبرية عشرين عاماً وعدّة أشهر كان الإمام فيها مكرّماً في ظاهر حاله، يجتهد المتوكل في إيقاع حيلة به للحط من مكانة الإمام (ع) في قلوب الناس". ومن ذلك أنه عند دخول الإمام (ع) سامراء احتجب المتوكل عنه ولم يعيّن داراً لنزوله (ع) حتى اضطر الإمام إلى النزول في خان يقال له "خان الصعاليك" وهو محل نزول الفقراء من الغرباء. ومن ذلك أنه كان يوجّه إليه الأتراك فيداهمون منزله ويحضرونه ليلاً إلى مجلس المتوكل العامر بالخمر والمجون.

 ولكن هذه السياسة لم تثمر شيئاً بل كانت ترفع من مكانة الإمام ومقامه واستطاع بذلك أن يكسب ولاء عدد من حاشية المتوكل إلى درجة أن والدة المتوكل كانت تنذر باسمه النذور. وأمام هذا الواقع قرّر المتوكّل التخلص من الإمام فسجنه مقدمة لقتله. ولكن إرادة الله حالت دون ذلك فلم يلبث إلاّ قليلاً حتى هجم عليه الأتراك في قصره وقتلوه شر قتلة. ولم تنته محنة الإمام الهادي (ع) بهلاك الطاغية المتوكل، فقد بقي تحت مراقبة السلطة باعتباره موضع تقدير الأمة وتقديسها.

وثقل على المعتز العباسي ما يراه من تبجيل الناس للإمام وحديثهم عن ماثره وعلومه وتقواه فسوّلت له نفسه اقتراف أخطر جريمة في الإسلام حيث دسّ له السم القاتل في طعامه. فاستشهد الإمام (ع) في سنة 254ه من شهر ذي الحجة عن عمر يناهز الواحد والأربعين سنة.

 

الامام الهادي (ع) في مجلس المتوكل:

جاء في "مروج الذهب" إن المتوكل العباسي أمر بمداهمة بيت الامام الهادي (ع) واحضاره على الحال الذي هو عليها. فلما أحضروه الى المجلس، وكان المتوكل على مائدة الخمر وفي يده كأس فناولها للامام (ع) ليشرب فقال له (ع):

والله ما خامر لحمي ودمي.

فقال له المتوكل: أنشدني شعراً استحسنه. فاعتذر الامام (ع) وقال:

إني لقليل الرواية للشعر.

ولما ألح عليه ولم يقبل عذره، أنشده (ع):

باتوا على قلل الأجيال تحرسهم

واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم

ناداهم صارخٌ من بعد ما قُبروا

أين الوجوه التي كانت منعمةً

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم

قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا

غلب الرجال فما اغنتهم القلل

فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلو

أين الأسرة والتيجان والحلل

من دونها تضرب الأستار والكلل

تلك الوجوه عليها الدود ينتقل

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلو

وهكذا استمر الامام بانشاده شعراً من هذا النوع حتى رمى المتوكل الكأس من يده وأخذ يبكي بكاءً عالياً حتى بلّت دموعه لحيته وبكى الحاضرون لبكائه ثم أمر برفع الشراب من مجلسه.

زوجاته وأولاده (ع)::

خلف الامام الهادي (ع) من بعده إبنه الحسن بن علي العسكري (ع) وأمه يقال لها حديثة، ومحمد وجعفر وعائشة.

 

شهادته(ع):

على الرغم من وضعه تحت الاقامة الجبرية والمراقبة اليومية إلا أن تبجيل الناس له والتفافهم حوله أثار في المعتز العباسي المخاوف والهواجس ففضل أن يتخلص منه، وهكذا سوّلت له نفسه، فدس له السم فاستشهد على ما استشهد عليه اباؤه الكرام سلام الله عليهم أجمعين وله من العمر ما يناهز الواحد والأربعين سنة.

 

الإمام الهادي (ع) والصوفيّة

جاء عن حمزة أنه نقل عن محمد بن الحسن بن أبي الخطاب أنه قال: "كنت مع الإمام الهادي(ع) في مسجد المدينة إذ جاءت جماعة وفيهم أبو هاشم الجعفري، وكان متكلماً بارعاً وصاحب مكانة رفيعة عند الإمام، ثم دخلت من بعدهم ثلَّة من الصوفيَّة، فاعتزلوا جانباً. وشكَّلوا حلقة وبدأوا بالتهليل.

فقال الإمام الهادي (ع): "لا تغترّوا بهؤلاء فهم أولياء الشيطان، وماحقوا دعائم الدين، احترفوا الزهد للراحة، وتهجّدوا لإيقاع الناس في الأغلال. ولم يتهلل هؤلاء سوى لخداع الناس ولم يقتصدوا في المأكل سوى لإغوائهم وبث الفرقة بينهم، فأورادهم الرقص، وأذكارهم الترنّم، لم يتّبعهم إلاَّ السفهاء، ولم يلحق بهم سوى الحمقى. ومن زار أحدهم حياً أو ميتاً لم يزر في الحقيقة إلاَّ الشيطان، ومن أعانهم فما أعان إلاَّ يزيد ومعاوية وأبا سفيان".

ثم تحدّث الامام عن عداء الصوفيَّة لأهل البيت وشبههم بالنصارى.

(نقلاً عن الحياة السياسية والفكرية لأئمة أهل البيت  عليهم السلام )

 

فضائل الامام الهادي عليه السلام


• قال ابن الصباغ المالكي: وأما مناقبه، فقال الشيخ كمال الدين بن طلحة: فمنها ما حل في الآذان محل جلالها باتصافها، واكتناف اللئالي اليتيمة بأصدافها وشهد لأبي الحسن علي الرابع أن نفسه موصوفة بنفايس أوصافها وأنه نازل في الدرجة النبوية في دار أشرافها، وشرفات أغرافها، فمن ذلك أن أبا الحسن كان قد خرج يوماً من سر من رأى إلى قرية له لمهمٍّ عرض له فجاء رجل من بعض الأعراب يطلبه في داره فلم يجده، وقيل له: إنه ذهب إلى الموضع الفلاني فقصده إلى موضعه فلما وصل إليه قال له: ما حاجتك؟

 فقال له: أنا رجل من أعراب الكوفة المستمسكين بولاء جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقد ركبتني ديون فادحة أثقل ظهري حملها، ولم أر من أقصده لقضائها سواك، فقال له أبو الحسن: كم دينك؟ فقال: نحو العشرة آلاف درهم، فقال: طب نفساً وقر عيناً يقضى دينك إن شاء الله تعالى، ثم أنزله فلما أصبح قال له: يا أخا العرب أريد منك حاجة لا تعصني فيها ولا تخالفني، والله الله فيما آمرك به وحاجتك تقضى إن شاء الله تعالى، فقال الأعرابي: لا أَخالفك في شيء مما تأمرني به، فأخذ أبو الحسن ورقة وكتب فيها بخطه ديناً عليه للأعرابي بالمذكور،

وقال: خذ هذا الخط معك فإذا حضرت سر من رأى، فتراني أجلس مجلساً عاماً فإذا حضر الناس واحتفل المجلس فتعال إلي بالخط، وطالبني وأغلظ علي في القول ولا عليك، والله الله أن تخالفني في شيء مما أوصيك به فلما وصل أبو الحسن إلى سر من رأى جلس مجلساً عاماً وحضر عند جماعة من وجوه الناس وأصحاب الخليفة المتوكل وأعيان البلد وغيرهم فجاء ذلك الأعرابي، وأخرج الخط وطالبه بالمبلغ المذكور، وأغلظ عليه الكلام فجعل أبو الحسن يعتذر إليه، ويطيب نفسه وبالقول، ويعده بالخلاص عن قريب، وكذلك الحاضرون، وطلب منه المهلة ثلاثة أيام، فلما انفك المجلس نقل ذلك الكلام إلى الخليفة المتوكل فأمر لأبي الحسن على الفور بثلاثين ألف درهم فلما حملت إليه تركها إلى أن جاء الأعرابي،

فقال له: خذ هذا المال فاقض فنه دينك، واستعن بالباقي على قوتك، والقيام على عائلتك، فقال الأعرابي: يابن رسول الله، والله إن في العشرة آلاف بلوغ مطلبي ونهاية اربي وكفاية لي فقال أبو الحسن: والله لتأخذن ذلك جميعه، وهو رزقك الذي ساقه الله إليك ولو كان أكثر من ذلك ما نقصناه، فأخذ الأعرابي الثلاثين ألف درهم وانصرف وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته.


• قال كمال الدين محمد بن طلحة: فأخذ المال وانصرف، وهذه منقبة من سمعها حكم بمكارم الأخلاق، وقضى له بالمنقبة المحكومة بالإنفاق.

• روى ابن شهر آشوب بإسناده عن أبي محمد الفحام بالإسناد عن سلمة الكاتب قال: قال خطيب ـ يلقب بالهريسة ـ للمتوكل: ما يعمل أحد بك ما تعمله بنفسك في علي بن محمد، فلا في الدار إلا من يخدمه ولا يتعبونه يشيل الستر لنفسه، فأمر المتوكل بذلك، فرفع صاحب الخبر أن علي بن محمد دخل الدار فلم يخدم ولم يشل أحد بين يديه الستر، فهب هواء فرفع الستر حتى دخل وخرج، فقال: شيلوا له الستر بعد ذلك، فلا نريد أن يشيل له الهواء.


• وروى بإسناده عن محمد بن الحسن الأشتر العلوي: كنت مع أبي على باب المتوكل في جمع من الناس ما بين طالبي وعباسي وجعفري، فتحالفوا: لا نترجل لهذا الغلام، فما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا، يعنون أبا الحسن (عليه السلام) فما هو إلا أن أقبل وبصروا حتى ترجل له الناس كلهم، فقال لهم أبو هاشم: أليس زعمتم أنكم لا تترجلون له؟ فقالوا: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجلنا.


• وروى بإسناده عن صالح بن سعيد قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) يوم وروده بسر من رأى، فقلت له: جعلت فداك، في كل الأمور أرادوا إطفاء نورك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع، خان الصعاليك. فقال: ها هنا أنت يابن سعيد، ثم أومئ بيده فإذا أنا بروضات آنفات، وأنهار جاريات،و جنات بينها خيرات عطرات: وولدان كأنهم اللؤلؤ المكنون، فحار بصري وكثر عجبي فقال لي: حيث كنا فهذا لنا يا ابن سعيد لسنا في خان الصعاليك.