|
لقد عرف عهد الامام الباقر (عليه السلام) بكثرة
المناظرات و المحاججات و الحوارات المفتوحة، لان دولة بني امية فتحت المجال للبدع و
المذاهب المنحرفة و التجاهات الضالة و الاراء الفاسدة فجلس الامام الباقر بكل جهاد
أمام هذه التيارات المنحرفة يوعظهم ويرشدهم و يصحح افكارهم ويهديهم الى الصراط
المستقيم، و من مناظراته التي سنذكرها مايلي:
الرتق و الفتق: جاء عمر و بن عبيد الى الامام الباقر(عليه
السلام) واراد ان يمتحنه بالسؤال فقال له: جُعلتُ فداك ما معنى قوله تعالى
(اولم يرالذين كفروا ان السموات و الارض كانتا رتقاً ففتقناهما) ما هذا الرتق و
الفتق؟
فقال الامام الباقر (عليه السلام): كانت السماء
رتقاً تنزل القطر و كانت الرض رتقاً لاتخرج النبات فانقطع عمر و ولم يجد إعتراضاً.
ثم قال له: أخبرني عن قوله تعالى (و من يحلل عليه غضبي فقد هوى) و ما غضب الله؟
فقال الامام (عليه السلام): غضب الله عقابه يا
عمر و من ظن ان الله يغيّره شيء فقد كفر.
و هذا جواب رائع من الامام لأن السائل كان يتصور ان غضب الله مثل غضب الانسان عبارة
عن الحالة النفسانية الهيجانيّة التي يرافقها التغير. فنبهه الامام الى ذلك و قال
له ان غضب الله عبارة عن الاثار التي يخلقها الله تعالى مثل البطش و العقاب.
تصحيح المسار: روي مخول ابن ابراهيم عن قيس بن الربيع قال: سئلت ابا إسحاق عن المسح
على الخفين (الحذاء او الجوراب) قال: أدركت الناس يسمحون حتى رجلاً من بني هاشم لم
ارمثله قط محمدبن علىّ بن الحسين (عليه السلام)
فسأله عن المسح فنهاني عنه و قال: لم يكن علىّ اميرالمؤمنين
(عليه السلام) يمسح و كان يقول سبق الكتاب المسح على الخفين (اي ان القرآن
صرح بوجوب المسح على الرجلين و حُكم الله سابق و مقدم على حكم الناس).
قال ابواسحاق: فما مسحتُ منذ نهاني عنه:
و من هذه القصة نستفيد درساً ان الامام الباقر (عليه
السلام) كان يصحح للناس سننهام و شرائعهم ويستدل على ذلك بالقرآن كما اشاره
الله تعالى (وامسحو على ارجلكم) وينهاهم عن البدع و القول بالرأي)
ما اكثر الظلم: في احد الايام كان الامام الباقر (عليه
السلام) جالساً في مسجد النبيّ و من حوله خلق كثير من الرجال فابتدأ الامام
الكلام قائلاً: ما أكثر ظلم هذه الامة لعلي بن ابي طالب و اقل انصاره انهم يمنعون
علياً ما يعطونه لسائر الصحابة و هو أفضلهم فكيف يُمنع منزلة يعطونها غيره!
فقيل له: و كيف ذاك يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
قال: لانكم تتولون محبي ابي بكر و تتبرأون من اعدائه كاثناً من كان كذلك تتولون عمر
بن الخطاب و عثمان بن عفان و تتبرؤن من اعدائهما كائناً من كان حتى اذت صار الى
علىّ قلتم نتولاه و لانتبرأ من اعدائه بل نحبهم، فكيف يجوز هذا لهم و رسول الله
(صلى الله عليه وآله) يقول في عليّ: «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و
اخذل من خذله»؟
افترونه يقول ذلك و لايعادي من عاداه و لايخذل من خذله؟ ليس هذا بانصاف.
نعم بهذا الاستدلان كان الام الباقر (عليه السلام)
يحرر العقول من أسر العصبية و سلاسل التعصب و يدعو العقلاء الى بين علىّ وبقية
الخلفاء، ويدعوهم الى الانصاف في التفكير و الدفاع عن بعض حقوق عليّ بن ابي طالب
(عليه السلام) اذن علينا ان نفعل ما فعله النبيّ من حب علىّ و البراءة من
اعدائه، هكذا يغير الامام الباقر (عليه السلام)
العقول و القلوب بعد ان يدخل كلامه الى القلوب بلا إستئذان.
جلس يوماً الامام الباقر (عليه السلام) الى احد
علماء النصارى فقال للامام: هل انت منا ام من الامة المرحومة «المسلمين».
فقال الامام (عليه السلام): بل من هذه الامة
المرحومة.
فقال: من أيهم انت من علمائها أم من جهالها؟
فقال له: لستُ من جهالها، فاضطرب اضطراباً شديداً ذلك العالم و قال للامام:
اسألك؟
فقال الامام (عليه السلام) سل.
فقال النصراني: من أين ادعيتم ان اهل الجنة يطعمون و يشربون و لايحدثون و لايبولون؟
و ما الدليل فيما تدعونه من شاهد؟
فقال الامام (عليه السلام): مثل الجنين في بطن
امه يطعم و لايحدث .
فاضطرب النصراني ثم قال: هلا زعمتَ انك لست من علمائها؟
فقال الامام (عليه السلام) و لا من جهالها.
فقال للامام:أسألك عن مسألة اخرى
قال
(عليه السلام) : سل.
قال انصراني: من اين ادعيتهم ان فاكهة الجنّة ابداً غضة موجودة غير معدومة عند جميع
اهل الجنّة؟ و ما الدليل عليه من شاهد لايجهل؟
فقال الامام (عليه السلام): دليله ان ترابنا
ابداً يكون غضاً طرياً موجوداً غير معدوم عند جميع اهل الدنيا لاينقطع.
فاضطرب النصراني: فقال: اخبرني عن ساعة لا من ساعات الليل و لا من ساعات النهار؟
فقال الامام (عليه السلام): هي الساعة التي بين
طلوع الفجر الى طلوع الشمس
فقال النصراني بقيت مسألة واحدة والله لاسالك عنها و لاتقدر ان تجيب عليها. فقال:
اخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد و ماتا في يوم واحد عمر احدهما خمسون سنة مائة
و خمسون سنة في دار الدنيا؟
فقال الامام (عليه السلام): ذلك عُزير و عزيره
ولدا في يوم واحد فلما بلغا مبلغ الرجال خمسة و عشرين عاماً عزير على حماره
بانطاكية و هي خاوية على عروشها (قال اني يحيى هذه الله بعد موتها) فأماته الله
مائة عام ثم بعثه على حماره، و كان عزيره عمره مائة و خمسة و عشرين سنة، فعاشا
سويّةً خمسة و عشرين سنه ثم قبضهما الله في يوم واحد.
فنهض النصراني و قال: جئتموني باعمل مني واقعدتموه معكم حتى هتكني و فضحني.
نعم هكذا كان الباقر (عليه السلام)
يجيب عن مئات الاسئلة المحرجة و الغريبة بكل رحابة صدر و تواضع و دون ضجر او كسل،
فانهم عليهم السلام هكذا كانوا يبثون
العلم في الناس و يرفعون مظاهر التخلف و الغباء.
يعتبر الامام الباقر (عليه السلام)
من المساهمين المعصومين في إبراز الامامة بشكل متكامل للامة الاسلامية و لذا
سمي«باقر العلوم» و معنى باقر، لأنه بقر العلم بقراً أي شقه فعرف اصله و لايعقل ان
يكون باقراً للعلوم الجزئية او الاحكام الشرعية فقط فلذل دأب الامام الباقر
(عليه السلام)
ان يؤسس للناس نظرية الامامة بشكل واضح من خلال محاوراته و مناظراته و لذلك لما كان
بعض الناس يسألونه: ان انساناً ينقطع اصبعه و يضع عليه دواءاً فهل يمكنه الوضوء او
انه يتيمم؟
فكان الامام يترك ذلك و يقول ان هذا و امثاله يُفهم من القرآن، فمثل هذه الامورليست
بالضخامة بل القضية الأهم من الاصبع الواحد هو الامة الاسلامية و جوهرها إمامة ائمة
الهدى من آل محمد (صلى الله عليه وآله) و الداعي
الذي ادى بالامام الباقر الى تكثيف الحوارات حول الخلافه و الامامة، هو ان المذاهب
الاربعة (المالكية و الشافعية و الحنبلية و الحنفيّة) نشأت تقريباً في زمان الامام
الباقر، فأراد الامام (عليه السلام) ان يوضح هوية
المذهب الحق و نذكر اليك واحدة من محاوراته في الامامة بشكل تام.
دفاعاً عن عليّ (عليه السلام)
عبدالله بن نافع بن الازرق: هو احد الخوارج الذين يكفّرون اميرالمؤمنين علىّ
(عليه السلام) لانه قبل التحكيم بعد حرب صفين بعدها اضطروه الخوارج لذلك،
فهم الذين الحوا عليه بالتحكيم و قبول الصلح و بعدها كفروه لانه قبل التحكيم.
عبدالله كان يقول: لو اني علمتُ ان بين قطري الارض أحداً يخصمني ان علياً قتل أهل
النهروان «الخوارج» و هو لهم غير ظالم لرحلتُ اليه.
فقيل له: حتى من ولدهِ؟
قال: أفي ولده عالم ؟
فقيل له: نعم و هذا اول جهلك.
فقال: فمن عالمهم اليوم؟
قيل له: محمد بن علىّ الباقر (عليه السلام)
فرحل اليه و أتاه للمناظرة و وقف على بابه، الامام (عليه
السلام) لخادمه: يا غلام أخرج و قل له: اذا كان الغد فائتنا فلما اصبح
عبدالله ذهب في صناديد اصحابه وبعت الامام الباقر الى جميع ابناء المهاجرين و
الانصار فجمعهم ثم خرج الى الناس فخطب و اثنى على الله و صلى على جده محمد
(صلى الله عليه وآله) ثم قال: من كانت عنده منقبة
لعلي بن ابي طالب (عليه السلام) فليقم وليتحدث
فقام الناس فسردوا تلك المناقب فقال عبدالله بن نافع: انا اروي هذه المناقب ايضاً و
لكن اقول ان علياً كفر بعد تحكيمه الحكمين، حتى انتهوا الى حديث خيبر «لاعطينَّ
الراية الى رجل يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله كرار غير فرار...»
فقال الامام (عليه السلام): ما تقول في هذا
الحديث؟
قال: هو حق لاشك فيه و لكن أحدث الكفر بعد.
فقال الامام الباقر (عليه السلام): أخبرني عن
الله أحبَ عليّ يوم احبه و هو يعلم انه يقتل اهل النهروان ام لم يعلم؟
قال عبدالله بن نافع: قد علم.
قال الامام (عليه السلام): فاحبه الله على ان
يعمل بطاعته او على ان يعمل بمعصيته؟
قال: ان يعمل بطاعته.
قال الامام (عليه السلام): قم مخصوماً «اي ان
علياً عندما قتل الخوارج كان عمله هذا ضمن طاعة الله» فقام عبدالله و قد اصابته
الدهشة في كيفيّة إستدلال الامام (عليه السلام)!
كان من سُنة الائمة الهداة (عليه السلام) انهم
يرجعون الناس الى الامام المعصوم (عليه السلام)
قبل ان يفارق الامام السابق الدنيا و كان دأبهم ان تكون الوصية واضحة و امام اعيان
من الناس لكيلا يدعي أحد الوصية و في اعتقادنا ـ الشيعة ـ ان لكل امام وصيّة و نص
من الامام السابق عليه و يضاف اليها ظهور المعجزات عنه الدالة على صدق دعواه، وليس
ظهور المعجزة على يد الاوصياء بامر غريب بل ظهرت المعجزات من قبل على يد يوضع بن
نون وصي موسى و على يد آصف
وصي سليمان و غيره.
و هكذا اوصى الامام السجاد (عليه السلام)
بالامامة و مواريث الانبياء الى ولده الامام الباقر علهما السّلام عندما حضرته
الوفاة حيث التفت الى ولده و هم مجتمعون عنده مع بعض الاصحاب الاجلاء، ثم التفت الى
محمد الباقر (عليه السلام)
و قال: يا محمد هذا الصندوق إذهب به الى بيتك قال: أما إنه لم يكن فيه دينار
ولادرهم ولكن كان مملوءاً علماً.
فلما توفي السجاد(عليه السلام)
جاء جاء إخوته يدعون ما في الصندوق فقالوا للباقر(عليه
السلام). أعطنا نصيبنا في الصندوق
فقال(عليه السلام): و الله مالكم فيه شيء ما دفعه
الىَّ و كان في الصندوق سلاح رسول الله و تبه مع كتب و صحف الانبياء السابقين.
و واضح ان من يستلم هذه المواريث المقدسة فهو دليل على انه وارث خط الرسل و
الاوصياء، و توجد روايات آخرى صريحه في النص على امامة الباقر باسمه و لقبه
قال ابوبصير قلت يوماً للباقر (عليه السلام) انتم
ورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله)
قال: نعم. قلت: و رسول الله (صلى الله عليه وآله)
وارث الانبياء جمعيهم؟
قال: وارث جميع علومهم.
قلت: و انتم ورثتهم جمعيع علوم رسول الله (صلى الله عليه
وآله)
قال: تعم.
قلت: فانتم تقدرون ان تحيوا الموتى و تبرئوا الاكمه و الابرص و تخبر و الناس بما
يأكلون و ما يدخرون في بيوتهم؟
قال: نعم، نفعل ذلك باذن الله تعالى، ثم قال: ادن مني يا ابابصير و كان ابوبصير
مكفوفاً «اعمى».
قال فدنوت منه، فمسح بيده على وجهي فابصرت السماء و الجبال و الرض، فقال: أتحب ان
تكون هكذا تبصر و حسابك على الله أو تكون كماكنت ولك الجنة؟
قلت: الجنة، فمسح بيده على وجهي فعدت كما كنت.
العبادة بالنسبة للمعصومين تمثل حالة كمال و اشراق و ليست عبارة عن تكليف يُراد
الخلاص منه، بل كانوا يأنسون بالعبادة لله تعالى.
حكى «أفلح» و هو خادم الامام الباقر (عليه السلام)
قال: حججتُ مع ابي جعفر محمد الباقر (عليه السلام)
فلما دخل المسجد و نظر البيت بكى فقلت: بأبي انت و امي ان الناس ينظرون اليك فلو
خفضت صوتك قليلاً؟
فقال
(عليه السلام): و يحك يا افلح
و لم لا أرفع صوتي بالبكاء لعل الله ينظر الىَّ برحمة منه فأفوز بها غداً، ثم طاف
بالبيت و جاء حتى ركع خلف المقام فلما فرغ اذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه.
فالباقر
(عليه السلام) يعيش حالة القرب الالهي و الدنو
الرباني و الأنس و الشوق للحق سبحانه و تعالى مثل جده النبيّ
(صلى الله عليه وآله) هذه صورة واحدة من الكثير الذي لايمكن ان نذكره هنا عن
عبادة الامام الباقر (عليه السلام)
نعم
و لم تكن عبادتهم صوفية تعزلهم عن الناس و تمنعهم من الموعظة و الاعانة و
الايثار بل كانوا في عمق العبادة يصلون الناس كعليّ
(عليه السلام) عندما اعطى خاتمه الى الفقير و هو في ركوعه، و هكذا كان
الامام الباقر يقول: ما دخل قلب إمرىء شيء من الكبر الا نقص من عقله مثل ذلك قل أو
كثر.
لان الكبر مفسد للعبادة و للقلب و العقل لذلك يحذرمنه الامام الباقر لتكون العبادة
خالصة لله تعالى.
تقول سلمى خادمة ابي جعفر الباقر: انه كان يدخل عليه بعض إخوانه فلا يخروجون من
عنده حتى يطعمهم الطعام اليب و يكسوهم في بعض الحيان و يعطيهم الدراهم قالت: فكنت
اكلمهُ في ذلك لكثرة عياله و توسط حاله فيقول: يا ليمى ما حسنة الدنيا الا صلة
الخوان و المعارف، فكان يصل بالخمسمائة درهم و بالستمائة الى الف درهم.
قال الاسود بن كثبر شكوتُ الى ابي جعفر الحاجة و جفاء الاخوان فقال: بئس الاخ أخ
يرعاك غنياً و يقطعك فقيراً، ثم أمر فلامه فأخرج كيساً فيه سبعمأة درهم فقال:
استنفق هذه فاذا فرغت غاعلمني
و ليس هذا فحسب بل كان الامام الباقر (عليه السلام)
يؤكد عبر كلامه مع اصحابه و حواريه ان الله يحب ان يرى نعمته على عبده، غاذا رزق
الله تعالى احدكم فعليه ان يوسع بها على عياله و يلبس و يتعطر و يعين إخوانه و يقضي
حوائجهم بهذه التوصيات تكون الحياة جميلة و بتطبيق هذه الكلمات و القتدائ بالباقر
(عليه السلام) تكون الحياة أروع و لهما معنىً جميل ايضاً، اذ لا خير في
المال دون ان نقدم فيه خدمة ترضي الله تعالى و تُسعد الناس. فالامام الباقر
(عليه السلام)
يجعل لا صحابه مقياساً رائعاً لمعنى الخوّة، يقول: اذا أدخل أحدكم يده في جيب الآخر
و اخذ ما يريدهُ من المال أيكون ذلك عندكم؟ فيقول: لا.
فيقول الامام: لستم باخوة.
كان احد الرجال يجلس عند الامام الباقر (عليه السلام)
و لكنه يبغض الامام بغضاً كبيراً و كان يقول للامام الباقر: يا محمد الاترى اني
انما أجيء الى مجلسك حياءً مني و منك و لا اقول ان احداً في الارض ابغض اليَّ منكم
اهل البيت و أعلم ان طاعة الله و طاعة رسوله و طاعة اميرالمؤمنين في
بغضكم و لكن أراك رجلاً فصيحاً لك ادب و حسن لفظ، فانما اختلافي اليك لحسن ادبك.
و كان ابوجعفر يقول له خيراً لن تخفى على الله خافيّة، ففي يوم الايام مرض هذا
الرجل و كان من اهل الشام و اشتد وجعه، عندها دعا إبنه و قال له: إذا متُ فأت محمد
الباقر و سلّه ان يصلي عليَّ و اعمله اني أنا الذي امرتك بذلك.
فلما أن كان في نصف الليل ظنوا أنه مات و سجّوه، فلما أن اصبح الناس خرج ابنه الى
المسجد فلما صلى الامام الباقر و تورك.
قال له: يا ابا جعفر ان فلان الشامي قد هلك و هو يسألك ان تصلي عليه فجاء الامام
الى داره، و اسند الرجل الشامي واجلسه و سقاه شراباً و قال لاهله: املؤوا بطنه و
بردوا صدره بالطعام البارد.
ثم انصرف الامام فلم يلبث إلا قليلاً حتى عوفي الشامي فأتى اباجعفر فقال له: اشهد
انك حجه الله على خلقه و بابه الذي يؤتى منه فمن أتى غيرك خاب و خسر وضل ضلالاً
بعيداً. فقال له ابوجعفر (عليه السلام) ما بدالك.
قال: لما اصابتني الغيبوبة و خرجت روحي عاينت بها وسمعت منادياً ينادي:
ردوا عليه روحه فقد سألنا ذلك محمد بن علىّ (عليه
السلام)
ويروى ان نصرانياً لاقى الامام الباقر في الشارع فقال له: انت بقر؟
فقال له الامام: لا، اناباقر.
فقال النصراني: انت ابن الطباخة ؟
قال: ذاك حرفتها.
قا لانت ابن السوداء الزنجية ؟
قال: ان كنتَ صدقت غفر الله لها و ان كنت كذبت غفر الله لك .
فخجل النصراني من شدة حلم الباقر (عليه السلام)،
و اخذه الحياء حتى رافقه الامام و كلمه بأحسن الكلام فاسلم النصراني على يد الامام (عليه السلام)
هل قرأتَ عن بُسرُ بن أرطأه العامري
إنه عامل معاوية بن ابي سفيان عُرفَ بالظلم و الجور و قتل الابرياء .
و من اقبح جرائمه انه قتل غلامين صغيرين ابنا عبيد الله بن عباس و هما «قثم و
عبدالرحمن».
و كان الامام علىّ (عليه السلام)
قد دعا عليه فقال: اللهم اسلبه دينه و عقله فخرف في اواخر حياته و كان في ايام
الامام الباقر (عليه السلام)
و كانت وفاته بهذا الشكل كما يرويها مالمسعودي: خرف حتى ذُهل عقله واشتهر باسيف
فكان لايفارقه فعل له سيف من خشب و جعل بين يديه زق منفوخ يضربه، و كلما تمزق
اُبدل، فلم يزل ييضرب ذلك الزق بذلك السيف حتى مات ذاهل العقل يلعب بخرثه «خروجه» و
ربما كان يتناول منه ثم يقبل على مَن يراه فيقول: انظروا كيف يطعمني هذا الغلامان
ابنا عبيدالله.
و كان ربما شُدت يداه الى وراء منعاً من ذلك، فأنجى «اي نجس في مكانه» ثم اُهوى
بفمه فتناول منه فبادروا الى منعه فقل: انتم تمنعنونني و عبدالرحمن و قثم يطعمانني
و هكذا حتى مات، و بذلك فرح المؤمنون فرح الامام الباقر أشد الفرح بموت هذا
الطاغية، و لاشك ان في هذه القصه عبرة لاولي الالباب.
ذكرنا ان الامام الباقر (عليه السلام)
عاصر خمسة من ملوك بنى امية و لقد ذاق منهم الامرين كبقية المسلمين الذين شملهم ظلم
بنى امية.
o
لقد عاصر الامام الباقر الوليد بن عبدالملك الذى يصفه المسعودي في مروج الذهب: كان
الوليد جباراً عنيداً ظلوماً غشوماً.
و كان قد مزق كتاب الله تعالى و هو في سُكر فظيع!
و كان أحد عماله الحجاج قاتل الاصحاب الاجلاء مثل سعيد بن جبير.
o
و عاصر الباقر سليمان بن عبدالملك، المعروف بكثرة الأكل فكان يقبض الفرايج باكمامه
حتى ذكر الاصمعي ذلك للرشيد فقال له قاتلك الله فما اعلمك باخبارهم انه عرضت عليَّ
جباب بني اميّة، فنظرتُ الى جباب سليمان و اذا كل جبة منها في كمها أثر كأنه أثر
دهن فلم أدرما ذلك حتى حدثني بالحديث، و هكذا عُرف سليمان بكثرة الاكل و الانصراف
عن الامور المهمة للمسلمين.
o
و عاصر الامام ايضاً عمر بن عبدالعزيز و هو الاخر لايفرق كثيراً عن السابقين فانه
كان طروباً يستمع الى الغناء، ففي يوم من اليام اخبروه ان احد قضاته يستمع الى
الغناء فأمر بعزله فقال القاضي والله لو سمعها عمر لقال اركبوني فاني مطية فبلغ ذلك
عمر فارسل اليه مع الجارية المغنيه فلما دخلا قال للمغنيه قولي فغنت فما فرغت من
الشعر حتى طرب عمر طرباً بيناً!
o
و كان في عهد الامام الباقر(عليه السلام)
ايضاً يزيد بن عبدالملك الذي غلب عليه حُب جارية يقال لها سَلّامة و اخرى اسمها
حبابة!
لقد عُرف بكثرة اللهو الطرب و صرف اوقاته في ذلك و عندما ماتت سلاّمة أقام يزيد
أياماً لايظهر للناس، بل ابقى جهتها اياماً لا يدفنها حتى جيف ثم دفنها، و اقام على
قبرها.
بهذا المستوى كان ملوك الجور و الضلال و عليك ان تدرك الكثير من ضحالتهم بعقلك و
وجدانك.
o
و كان آخر من عاصره الباقر من ملوك بني اميه و هو هشام بن عبدالملك، و كان احولاً،
خشناً، فظاً غليضاً، يجمع الاموال، و يعمر القصور، و يجمع الخيول، و المسلمين
يعانون اشد المعاناة من ظلمه و من شدة بخله الفظيع، فكانوا يتألمون من ذلك و من
والوضع الاقتصادي المتدهور حتى ثار عليه زيد بن عليّ و هو أخ الامام الباقر(عليه
السلام) فقام هشام بقتله و صلبه و مطاردة اصحابه فهذه حال ملوك بني اميّة في
عهد الامام الباقر(عليه السلام)
فأين الثرى و اين الثريا، كم هو الفرق بين القيم العلميّة و الاداب النبيلة و
الاهداف المبدئية و السمات الانسانية يسعى الى تحقيقها الامام الباقر(عليه
السلام) في عالم الاسلام، وبين الافعال القبيحة و الافعال الماجنه التي
ارتكبها الملوك الذين لم يرعوا عظمة الباقر و لاقدروا له قدر
من هنا علينا ان نعرف اهمية وجود ائمتنا الكرام وقيمة اعمالهم العلمية و الدبية و
العبادية و غيرها.
آنهاقصة جميلة جداً يوم حج هشام بن عبدالملك سنة من السنين و كان قد حج فى تلك
السنة محمد الباقر و ابنه الصادق (عليه السلام)فقال
جعفر الصادق للناس: الحمدلله الذى بعث محمداً بالحق نبياً و اكرمنا به، فنحن صفوة
الله و خلفاؤه على خلقه و خيرته من عباده فالسعيد من إتبعنا و الشقى من عادانا و
خالفنا.
ولما علم
هشام بهذا الكلام اتم حجه و رجع الى الشام و ارسل الى عامله فى المدينة ان يقدم
الباقر و النه الصادق الى الشام سريعاً، فلما وصلا الى هشام دخلا عليه وكان جالساً
على سرير الملوك و جنده حوله وقوف متسلحين و كان امامه لوحة يرمون فيها الرماح و
السهام، فكانوا فى سباق و تنافس على اصابة الهدف.
عندها نادى هشام: يا محمد الباقر ارم مع اشياخ فومك الغرض «الهدف».
فقال
(عليه السلام) له: انى كبرت عن الرمى فان رأيت ان
تعفينى.
فقال: و حق من اعزنا بدينه و نبيه محمد (صلى الله عليه
وآله)لا اعفيك، ثم أومأ الى شيخ من بنى امية ان يعطيه قوسه.
فتنال الامام الباقر ذلك القوس ثم تناول سهماً فوضعه فى وسط القوس ورمى به الهدف
فاصاله فى منتصفه ثم رمى فيه الثانية فشق السهم الثانى السهم الاول، ثم تابع الرمى
حتى شق تسعة أسهم بعضها فى جوف بعض، و هشام يضطرب فى مجلسه حتى قال له احسنت يا
اباجعفر.
و هكذا
ارادوا به كيداً و لكن الله اعزه و اظهر قدرته.
جاء فى الفصول المهمة لابن الصباغ المالكى، ان الباقر
(عليه السلام) مات مسموماً و كان ذلك فى ملك هشام بن عبدالملك و تشير
المصادر ان هشام كان وراء سم الامام (عليه السلام).
يقول الامام الصادق (عليه السلام): قال لى ابى
ذات يوم فى مرضه «على اثر السم» يا بنى ادخل أناساً من قريش من اهل المدينة حتى
أشهدهم فادخلت عليه أناساً منهم فقال: يا جعفر إذا أنامت فغسلنى و كفنى و ارفع قبرى
أربع اصابع ورشه بالماء.
فلما خرجوا قلت له: يا أبت لو أمرتنى بهذا صنعته ولم ترد ان ادخل عليك قوماً
تشهدهم.
فقال
(عليه السلام): يا بنى اردت ان لاتنازع و كرهت ان
يقال انه لم يوص اليه - اى الى ولده جعفر الصادق - فاردت ان تكون لك الحجة.
و بذلك يعلمنا الامام درساً مهماً حتى فى أواخر حياته الشريفة فعلينا ان نهتم بأمر
الوصيّة و نعلنا بشكل لايولّد الشك فى قلوب الاخرين، ثم ان الامام الباقر اراد ان
يعلم الناس بامامة الصادق من بعده.
و فعلاً فقد قام الامام الصادق (عليه السلام)بتغسيله
و تكفينه على ما اوصاه و فنه و مضى امامنا الباقر (عليه
السلام) الى سبيله مجاهداً محتسباً صابراً بعد حياة قضاها بنشر العلم و بث
احكام الدين و تفسير القرآن فقد روى عنه محمد بن مسلم و هو واحد فقط 000/30 حديث
فما حسبك بغيره فسلام الله عليه يوم ولد و يوم مات و يوم يبعث.
لقد ترك لنا الائمة الهداة كلمات من ذهب و توصيات علينا ان نهتدى بها فى حياتها
منها ما قاله امامنا الباقر (عليه السلام).
o
سلاح اللئام قبيح الكلام.
o
الغنى والفقر يجولان فى قلب المؤمن فاذا وصلا الى مكان التوكل استوطناه.
o
اذا أنعم الله عليك بنعمة فقل الحمدلله و اذا حزنك امر فقل لا حول و لا قوه الا
بالله العلى العظيم و اذا ابطأ عليك الرزق فقل استغفرالله.
o
اعرف المودة فى قلب أخيك بماله فى قلبك.
o
انما شيعة علىّ المتباذلون فى ولايتنا المتحابون فى مودتنا.
o
اياك و الكسل و الضجر فانهما مفتاح كل شر، من كسل لم يؤد حقاً و من ضجر لم يصبر على
حق.
o
التواضع: الرضا بالمجلس دون شرفه، و أن تسلّم على من لقيت، و أن تترك المراء و ان
كنت محقاً.
o
اربع من كنوز البر: كتمان الحاجة، و كتمان الصدقة، و كتمان الوجع، و كتمان المصيبة.
o
من لم يجعل الله له من نفسه واعظاً فان مواعظ الناس لن تغنى عنه شيئاً.
o
عالم ينتفع بعلمه افضل من سبعين الف عابد.
|