|
انّ
لشمس الامامة تجليّا خاصّاً في كل واحد من البروج الاثني عشرة، لكنّ الشمس
هي الشمس من ايّ افق اشرقت، فنورها و شعاعها يعشي العيون، و حرارتها و
اشراقها يمنح الحياة و يبنيها، فمن اشواك شجيرات الصحراء الي الأشجار
العالية في البستان كلّها محتاجة اليها، و ايّة ورقة لا تستطيع ان تعيش من
دون لمس اصابع شعاعها، و ايّ غصن لا يمكن ان يثمر بدون الاستمداد من ضيائها
الحاني... أجل انّها الشّمس، ولولا الشمس فانّ عالمنا الحيّ محكوم عليه
بالفناء.
ودور
امامة ائمتنا المعصومين في نظام العالم المعنويّ و لاستمرار و تقدم حياة
الاسلام و المسلمين يشبه دور الشمس و ضيائها و حرارتها في العالم المادي،
فكلّ واحد من هؤلاء الكرام قد اشرق و اضاء و هدي في الظروف الخاصّة التي
عاشها وفي جميع الأبعاد التي تقتضيها الضرورات و تختّمها مرحلته المزنّية،
فاستمّر في تربية اتباعه و صياغتهم بالشكل المطلوب،
و قد تجلّي كل واحد
منهم من خلال ميزات عصره، فبعض منهم قد صاغ ملحمته في ميدان القتال و كتب
رسالته للعالم بدمه الطاهر، و بعض منهم امتطي منبر التدريس و كرّس كل جهده
لنشر العلوم و المعارف، و البعض الآخر اخذ علي عاتقه عبئ النضال ضدّ
الطاغوت، و تحمّل في سبيل ذلك الوان التعذيب و السجون،و... و علي كل حال
كانوا شمس المجتمع و قد انهمكوا في ايقاظ المسلمين الحقيقيين و تربيتهم،
واذا لاحظنا بعض الاختلافات في سيرتهم رعايةً للضرورات فانّه لا شكّ لدي
الواعين بكونهم متّحدين في الهدف، و الهدف هو الله و سبيله و اشاعة دينه و
نشر كتابه و تربية عباده...
أجل إنّ
ائمّتنا ـ صلوات الله و سلامه عليهم اجمعين ـ لمّا كانوا متميّزين بمنصب
العصمة و الامامة، ممّا هو مختص بهم، و بالحكمة و العلم اللازمين للإمامة و
هما من المنح الالهيّة، و بتأييد خاصّ من الله تعالي، ـ فقد كانوا اعلم من
ايّ شخص آخر بخصائص عصورهم و الضرورات السائدة فيها و بأسلوب القيادة في
كلّ مرحلة من المراحل،
و تعتبر هذه الحقيقة واضحة جدّاً لدي المعتقدين
بالاسلام الواقعي المنزّه من الانحراف، و المؤمنين بتعيين الامام بأمر الله
و ابلاغ الرسول صلّي الله عليه و آله و سلّم في الحادثة التاريخيّة لغدير
خم، و هو امر لا يرتفع اليك الشّكّ، و تاريخ حياة ائمّتنا الطّاهرين ملئ
بالوقائع و الحوادث التي تنبئ عن وجود مثل هذا العلم و الرؤيةالالهيّة لدي
هؤلاء المكرمين و هذا العلم المحيط للامام بجميع ابعاد المجتمع و جوانب
عصره و علمه و احاطته بجميع حقائق الوجود و ما يقع من حوادث حتي يوم البعث
هوالذي جعل المعصومين يتعاملون مع مسائل عصرهم بدقّة رائعة و يستخدمون افضل
الاساليب في سبيل تقدّم الأهداف الالهيّة، و كمثال رائع علي ما قلناه نذكر
الامام عليّ بن موسي الرّضا عليه السّلام فهو قد تسلّم منصب الامامة بعد
والده الكريم اثناء خلافة هارون الرّشيد وبدأ ينشر موضوع امامته من دون
تحرّج، بينما كان اصحابه المقرّبون خائفين عليه.
وقد واجههم بصراحة قائلا
لهم: «لو انّ أباجهل استطاع ان ينقص شعرة من رأس النبي (صلي الله عليه و
آله و سلم) فان هارون أيضا يستطيع ان يلحق بي ضرراً»، وهذا يعني انّ الامام
كان علي علم يقينيّ بأنّ شهادته لن تكون علي يد هارون القذرة، و كان يعلم
ايضاً ان عمره الشّريف سوف يمتدّ الي سنين لا حقة، و الالتفات الي هذا
العلم هو بنفسه عامل مهمّ في فهم اساليب عمل هؤلاء القادة الحقيقييّن.
و قد عاش
ثامن المعصومين الامام عليّ بن موسي الرّضا عليهما السّلام في عصر وصلت فيه
خلافة العباسييّن المتعسّفة الي ذروة قدرتها، وذلك لانّ بني العبّاس ليس
فيهم ملك اعظم واقوي من هارون المأمون، و من ناحية اخري فقد شيدت سياسة بني
العبّاس مع الائمّة الطّاهرين (عليهم السّلام) و بالخصوص منذ زمان الامام
الرضّا عليه السّلام فما بعد علي المكر و الخداع و النّفاق و التّظاهر، فمع
انّهم كانوا متعطّشين لدماء اهل البيت الطّاهرة الاّ انّهم كانوا يبذلون
قصاري جهدهم ليظهروا انّ لهم علاقات حميمة مع اهل بيت اميرالمؤمنين عليّ
عليه السّلام، وذلك ليطمئنّوا انّ العلويّين سوف لن يثوروا عليهم و ليكسبوا
قلوب الشّيعة و الايرانيّين، و بهذا فهم يؤمّنون لأنفسهم وضعاً قانونيّاً
مشروعاً، و يمكننا ملاحظة اوج هذه السّياسة الخدّاعة في حكومة المأمون...
و قد
اتّخذ الامام الرّضا عليه السّلام في مقابل هذه الطّريقة الخدّاعة للمأمون
اسلوبا يتّسم بالدقّة العمليّة المنقطعة النّظير بحيث تحرم المأمون اسلوبا
يتّسم بالدقّة العمليّة المنقطعة النّظير بحيث تحرم المأمون من اهدافه و
تقرّب المسلمين المنتشرين في الأرجاء الواسعه للبلاد الاسلاميّة الي الحقّ
في نفس الوقت بحيث يدركون انّ الخلافة الاسلاميّة الحقيقيّة قد جعلت من قبل
الله تعالي و النبيّصلّي الله عليه و آله و سلّم علي عاتق الائمّة
الطّاهرين عليهم السّلام،
و ليس هناك غيرهم من هو اهل لهذا المنصب
الرّفيع.و لو دقّقنا النّظر لوجدنا انّ الخلفاء الامويّين و العبّاسيّين
كانوا يراقبون بدقّةوضع الائمّة عليهم السّلام و يتعقّبونهم و يحولون دون
اتّصال النّاس بهم ويسعون لئلاّ يتعرّف عليهم النّاس و ليكونوا خاملي
الذّكر، ولهذا السّبب فانّ ايّ واحد من الائمة الكرام عليهم السّلام بمجرّد
ان يطير اسمه في البلاد الاسلاميّة فانّه يقتل أو يدّس اليه السمّ من قبل
الخلفاء، و مع انّ قبول ولاية العهد كان بالاجبار، هذا من ناحية ومن ناحية
اخري فقد كان قبول الامام مرهوناً بتحقّق عدّة شروط بحيث يغدو بمثابة عدم
القبول، لكنّه في نفس الوقت قد ذاع هذا الامر في البلاد الاسلامية القريبة
و البعيدة،
و عرف الناس انّ المأمون قد اعترف بانّ الامام الرّضا عليه
السّلام قدوة للأمّة و أهل للخلافة، و ان المأمون قد طلب منه (ع) ان يقبل
الخلافة فرفضها و أصرّ عليه بولايةالعهد فقبلها ضمن شروط، وهذا نفسه يعدّ
انتصاراً كبيراً لصالح منهج الامام و هزيمة قاصمة لسياسة خلفاء الجور...
و من
المناسب ان نقارن هذه الحادثة الي واقعة الشّوري الّتي فرضها الخليفة
الثّاني عمر بن الخطاب و أشرك فيها أميرالمؤمنين عليّاً عليه السّلام، و من الغريب ان الامام الرّضا عليه السّلام قد اشار الي ما بين هاتين الحادثتين
من تشابه.
فقد أمر
عمر بن الخطاب قبل موته بتشكيل شوري بعد موته يشترك فيها عثمان و طلحة و
عبدالرحمن بن عوف و سعد بن ابي وقّاص و الزبير و أميرالمؤمنين علي (ع)،
وذلك ليختار هؤلاء الستّةخليفة من بينهم، ثم أوصي بقتل كلّ من يخالف قرار
الشّوري، و قد أعدّت القضيّة بحيث يبقي عليّ عليه السلام محروماُ من
الخلافة، و لمّا كانوا علي علم بانّ الخلافة حقّه، فقد تنبّأوا بانّه سوف
يخالف عندما ينتخب غيره للخلافة و سينفّذ فيه القتل، و يصبح قتله مشروعاً و
جائزاً!! و قد سأل أميرالمؤمنين بعض المقرّبين اليه: لماذا وافقت علي
الاشتراك في هذه الشّوري مع انّك كنت تعلم بانّ الخلافة سوف لن تعطي لك؟
فأجاب:
لقد أعلن عمر بعد النبيّ (بواسطة جعل حديث) انّ النّبي (ص) قال:
«انّ
النّبوّة و الإمامة لا تجتمعان في بيت واحد». (بمعني انّه يزعم بانّه قد
أبعدني عن الخلافة و لم يرني اهلاً لها امتثالاً للنبيّ (ص)!)، و هذا هو
عمر نفسه يقترح عليّ ان اشترك في هذه الشّوري ويراني اهلاً للخلافة، فأنا
اشترك في هذه الشّوري لأثبت انّ تصرّف عمر لا ينسجم مع تلك الرّواية.
أجل فمن
نتائج قبول الإمام الرّضا عليه السّلام لولاية العهد انّ المجتمع الإسلاميّ
الواسع قد عرف من هو الأحقّ بالولاية، فالمأمون بعمله هذا قد اعترف بحقيقة
ضخمة، وفي هذه الأثناء ايضا قدمرّ الامام عليه السلام ــ خلال سفره من
المدينة الي مروْ ــ بمدن كثيرة من البلاد الاسلاميّة و واجه أناساً
كثيرين، وقد كان النّاس في تلك الحقبة التاريخيّة محرومين من كثير من
المعلومات بسبب فقدان وسائل الاعلام، وبذلك فقد تحقّق لهم لقاء الامام و
مشاهدة الحقّ عن كثب، وقد كانت لذلك آثار ايجابيّة كثيرة تستحقّ الذّكر و
الدّراسة، ويمكننا ملاحظة نموذج ذلك في نيشابور و هجوم النّاس المشتاقين
عليه، و في صلاة العيد في مدينة مرو، و....
وفي هذا
المضمار نستطيع ذكر تعرّف كثير من المفكّرين و العلماء علي الامام و
اشتراكهم معه في جلسة مناظرة و مباحثة بحيث تجلّت لهم عظمة الإمام
العلميّة، وانهزم المأمون و تحطّمت مؤامراته لاهانة الامام عليه السّلام،
كلّ هذه الأمور لابد من عدّها من جملة الآثار الايجابيّة لسياسة الإمام
عليه السّلام، وهي تحتاج الي دراسة مبسوطة.
وعلي كلّ
حال ففي دراسة حياة ايّ واحد من الأئمّة عليهم السّلام لابدّ من الأخذ بعين
الاعتبار الابعاد المختلفة لوجودهم المبارك، و كما انّ تاريخ حياة الانبياء
ــ الذين كانت اعمالهم نابعة من منبع الوحي ــ لا يمكن دراسته بالمعايير
التي يدرس بها تاريخ الملوك و السّاسة و المستبدّين، فكذا تاريخ حياة
الأوصياء و الأئمة عليهم السّلام فانّه لا تتيسّر دراسته بمعايير حياة
النّاس العاديّين، و ذلك لانّ الأوصياء و الائمة كالانبياء عليهم السّلام
يتميّزون بخاصّة مقصورة عليهم و هي الارتباط المعين بخالق الكون.
|